ابن العربي
512
أحكام القرآن
فيها إلا قليلا . فذمّها صلّى اللّه عليه وسلّم بقلّة ذكر اللّه سبحانه فيها ؛ لأنه يراها أثقل عليه من الجبل ، فيطلب الخلاص منها بظاهر من القول والعمل ، وأقلّ ما يجزئ فيها من الذكر فرضا الفاتحة . وسيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه عز وجل . وأقل ما يجزئ من العمل في الصلاة إقامة الصّلب في الركوع والسجود ، والطمأنينة فيهما ، والاستواء عند الفصل بينهما . ففي الحديث الصحيح : لا تجزئ صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ، وعلّم الأعرابي « 1 » على ما روى في الصحيح فقال له : فاركع حتى تطمئنّ راكعا ، ثم ارفع حتى تطمئن رافعا ، ثم اسجد حتى تطمئنّ ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئنّ جالسا ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها . وذهب ابن القاسم وأبو حنيفة إلى أنّ الطمأنينة ليست بفرض ، وهي رواية عراقية لا ينبغي لأحد من المالكيين أن يشتغل بها ، فليس للعبد شيء يعول عليه سواها ؛ فلا ينبغي أن ينقرها نقر الغراب ، ولا يذكر اللّه بها ذكر المنافقين ، وقد بين صلاة المنافقين في هذه الآية ، وبيّن صلاة المؤمنين ، فقال « 2 » : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ، ومن خشع خضع واستمرّ ، ولم ينقر ولا استعجل ، إلا أن يكون له عذر فيقتصر على الفرض الذي قد بيناه . وقد ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك أنه ذكر صلاة عمر بن عبد العزيز فقال : هذا أشبهكم صلاة بصلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم موجزة في تمام . الآية الثامنة والخمسون - قوله تعالى « 3 » : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً . فيها خمس مسائل : المسألة الأولى - اختلف الناس في تأويلها ؛ فقال ابن عباس : إنما نزلت في الرجل يظلم الرجل ، فيجوز للمظلوم أن يذكره بما ظلمه فيه لا يزيد عليه . وقال مجاهد وآخرون : إنما نزلت في الضيافة ، إذا نزل رجل على رجل ضيفا فلم يقم به
--> ( 1 ) في ا : وعلم الأعرابي ما روى . ( 2 ) سورة المؤمنون ، آية 1 ، 2 ( 3 ) الآية الثامنة والأربعون بعد المائة .